يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

447

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

لأخمص أقدامهما أرضا . أما الحسن بن علي فمكانه العلي وكلامه الذي أراد عمرو أن يعجله ليخجله كان زائدا على ما في الكتاب ، بعد أن حمد اللّه تعالى وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، فإن أكيس الكيس التقي ، وأحمق الحمق الفجور ، وإن هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية إما أن يكون حقه فهو أحق به مني ، وإما أن يكون هو حقا لي وقد تركته إرادة إصلاح الأمة وحقن دمائها . وآخر ما قال : وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين . وفيه قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : إن ابني هذا سيد ، وعسى اللّه أن يصلح به بين فئتين من المسلمين ، فكان كما قال عليه الصلاة والسلام ، أصلح به بين الناس ، ورفع عنهم البأس . وقيل له في ذلك ، فقال : قد كانت جماجم العرب في يدي يحاربون من حاربت ويسالمون من سالمت ، فتركتها ابتغاء وجه اللّه تعالى ، وحقن دماء أمّة محمد صلى اللّه عليه وسلم . ومن فضله رضي اللّه عنه أنه قال : إني لأستحيي من ربي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته ، فمشى عشرين مرة من المدينة على رجليه ، وقسم ماله نصفين حتى تصدّق بفرد نعله . وفي رواية : خرج الحسن من ماله مرتين ، وقاسم اللّه تعالى ماله ثلاث مرات ، حتى إن كان ليعطي نعلا ويمسك نعلا ، ويعطي خفا ويمسك خفا . وكان آخر أمره أن مات شهيدا رحمه اللّه ، سقي السم حتى قتله . حدّث عمير بن إسحاق قال : دخلت أنا ورجل على الحسن بن علي رضي اللّه عنهما نعوده ، فقال : يا فلان سلني ، قال : واللّه لا أسألك حتى يعافيك اللّه ثم أسألك ، قال : قد ألقيت طائفة من كبدي ، وإني قد سقيت السم مرارا فلم أسق مثل هذه المرة . ثم دخلت عليه من الغد وهو يجود بنفسه والحسين عند رأسه ، فقال : يا أخي من تتهم ؟ قال : لم لتقتله ؟ قال : نعم ، قال : إن يكن الذي أظن فاللّه أشدّ بأسا وأشدّ تنكيلا ، وإن لم يكن فما أحبّ أن يقتل بي بريء ، ثم قضى . وفي رواية : لما احتضر قال : أخرجوني إلى الصحن لعلي أنظر في ملكوت السماء ، يعني الآيات ، فلما خرج قال : اللهم إني أحتسب نفسي عندك فإنها أعزّ الأنفس عليّ ، فكان مما صنع اللّه تعالى له أن احتسب له نفسه رضي اللّه عنه . وأما أبو سفيان رضي اللّه عنه فكان رضيع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أرضعتهما حليمة ، وكان آلف الناس له قبل النبوّة لا يفارقه ، فلما نبئ كان أبعد الناس عنه وأهجاهم له ، وإياه عنى حسان بن ثابت بقوله : ألا أبلغ أبا سفيان عني * مغلغلة فقد برح الخفاء هجوت محمدا . . . * . . .